وهبة الزحيلي

101

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وهذا كله يدل على أن تمني العودة إلى الدنيا يحدث حال المعاينة للعذاب عند الاحتضار ، وحين النشور ، وحين الحساب ، وحين العرض على النار ، وبعد دخولهم النار . وليس سؤال الرجعة مختصا بالكافر ، وإنما يشمل ذلك المؤمن المقصر في الطاعات وأداء حقوق اللّه تعالى ، كما جاء في قوله تعالى : وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ، فَيَقُولَ : رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ، فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ [ المنافقون 63 / 10 ] . كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها ، وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ أي يجيبهم اللّه تعالى بقوله : كلا وهي كلمة ردع وزجر ، أي لا نجيبه إلى طلبه ، وتلك كلمة لا بدّ من أن يقولها لا محالة كل محتضر ظالم ، ولا فائدة من الرجعة ، فلو ردّ لما عمل صالحا ، وكذب في مقالته هذه كما قال تعالى : وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ، وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ [ الأنعام 6 / 28 ] . ثم إنه بين الظلمة حال الاحتضار وبين الرجوع إلى الدنيا وأمامهم حاجز ومانع من الرجوع . فالبرزخ : الحاجز ما بين الدنيا والآخرة ، فمن مات دخل في البرزخ ، أو حياة المقابر . وهذا تهديد بعذاب البرزخ ، وتيئيس إلى يوم القيامة لهؤلاء المحتضرين من الظلمة من الرجوع أبدا ؛ لأنهم إذا لم يرجعوا حال وجود بقية من الحياة فلا يرجعون بعدئذ مطلقا ، وإنما الرجوع إلى حياة الآخرة ، وتلقي عذابها كما قال تعالى : مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ [ الجاثية 45 / 10 ] وقال سبحانه : وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ [ إبراهيم 14 / 17 ] . والخلاصة : أن المراد من قوله : إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ أن العذاب يستمر بهؤلاء إلى يوم البعث ، كما جاء في الحديث : « فلا يزال معذبا فيها » أي في الأرض وهم في القبور .